ابن قيم الجوزية
466
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وفي أثر إلهي : « ما لأوليائي والهم بالدنيا ؟ إن الهمّ بالدنيا يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم » . وقيل : أكثر الناس همّا بالدنيا أكثرهم همّا في الآخرة . وأقلهم همّا بالدنيا أقلهم همّا في الآخرة . فالإيمان بالقدر ، والرضى به : يذهب عن العبد الهم والغم والحزن . وذكر عند رابعة وليّ للّه قوته من المزابل . فقال رجل عندها : ما ضرّ هذا أن يسأل اللّه أن يجعل رزقه في غير هذا ؟ فقالت : اسكت يا بطال أما علمت أن أولياء اللّه هم أرضى عنه من أن يسألوه أن ينقلهم إلى معيشة حتى يكون هو الذي يختار لهم « 1 » ؟ . وفي أثر إسرائيلي : « أن موسى عليه السلام : سأل ربه عما فيه رضاه ؟ فأوحى اللّه إليه : إن رضاه في كرهك ، وأنت لا تصبر على ما تكره . فقال : يا رب ، دلني عليه . فقال : إن رضاه في رضاك بقضائي » . وفي أثر آخر : أن موسى عليه السلام قال : « يا رب ، أي خلقك أحب إليك ؟ فقال : من إذا أخذت منه محبوبه سالمني . قال : فأي خلقك أنت عليه ساخط ؟ قال : من استخارني في أمر فإذا قضيته له سخط قضائي » . وفي أثر آخر : « أنا اللّه ، لا إله إلا أنا ، قدّرت التقادير ، ودبّرت التدابير ، وأحكمت الصنع . فمن رضي فله الرضى مني حتى يلقاني . ومن سخط فله السخط حتى يلقاني » . الثاني والخمسون : أن أفضل الأحوال : الرغبة في اللّه ولوازمها . وذلك لا يتم إلا باليقين ، والرضى عن اللّه ، ولهذا قال سهل : حظ الخلق من اليقين على قدر حظهم من الرضى . وحظهم من الرضى على قدر رغبتهم في اللّه . الثالث والخمسون : أن الرضى يخلصه من عيب ما لم يعبه اللّه ، ومن ذم ما لم يذمه اللّه ، فإن العبد إذا لم يرض بالشيء عابه بأنواع المعايب ، وذمه بأنواع المذام ، وذلك منه قلة حياء من اللّه ، وذم لما ليس له ذنب ، وعيب لخلقه ، وذلك يسقط العبد من عين ربه ، ولو أن رجلا صنع لك طعاما وقدمه إليك فعبته وذممته ، لكنت متعرضا لمقته وإهانته ، ومستدعيا منه : أن يقطع ذلك عنك . وقد قال بعض العارفين : إن ذم المصنوع وعيبه - إذا لم يذمه صانعه - غيبة له وقدح فيه . الرابع والخمسون : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سأل اللّه الرضى بالقضاء ، كما في « المسند » و « السنن » « اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق في الغضب
--> ( 1 ) ما أصدق هذا في التعبير عن دين وطريق الصوفية طريق المزابلة ، وعن حياتهم في المزابل مع الخنافس والجعلان . أما المؤمنون المتقون : فيأخذون طريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي أرسله اللّه ليرحم به الإنسانية ، ويرفعها من مزابل الصوفية إلى درجات شكر اللّه بتحري أخذ وتعاطي الطيبات الكريمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) [ البقرة : 172 ] ولذلك وصف اللّه رسوله الداعي إلى الطيبات : بأنه يحل الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .